السيد كمال الحيدري
303
اللباب في تفسير الكتاب
والآية من غرر الآيات القرآنية تفسّر معنى معرفة الله ، فإنّ قوله : ( ويعلمون ان الله هو الحق ) ينبئ أنّه تعالى هو الحقّ لا سترة عليه بوجه من الوجوه أصلًا . فالعلم والمعرفة به تعالى من أبده البديهيّات التي لا يتعلّق بها جهل فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ( الروم : 30 ) ، لكن البديهي ربما يُغفل عنه ، فالعلم به تعالى هو ارتفاع الغفلة عنه الذي ربما يُعبَّر عنه بالعلم ، وهذا هو الذي يبدو لهم يوم القيامة ، فيعلمون أنّ الله هو الحقّ المبين . وإلى مثله يشير قوله تعالى : ( لَقَدْ كُنْتَ فِى غَفْلَةٍ مِنْ هذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) ( ق : 22 ) . والآية بقرينة وقوعها في سياق آيات القيامة واحتفافها بها يقضى بكونها من خطابات يوم القيامة ، والمخاطِب بها هو الله سبحانه ، والذي خوطب بها هو الإنسان المذكور في الآية السابقة عليها : ( وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ) ( ق : 21 ) . والإشارة بقوله : « هذا » إلى ما يشاهده يومئذ ويعاينه من تقطّع الأسباب وبوار الأشياء ورجوع الكلّ إلى الله الواحد القهّار ، وقد كان تعلّق الإنسان في الدُّنيا بالأسباب الظاهريّة وركونه إليها جعله في غفلة عن ذلك ، حتّى إذا كشف الله عنه حجاب الغفلة ، فبدت له حقيقة الأمر فشاهد ذلك مشاهدة عيان لا علماً فكريّاً . لذا خوطب بقوله : ( لقد كنت ) في الدُّنيا ( في غفله ) أحاطت بك ( من هذا ) الذي تشاهده وتعاينه وإن كان في الدُّنيا نصب عينيك لا يغيب ، لكن تعلّقك بذيل الأسباب أذهلك وأغفلك عنه ( فكشفنا عنك غطاءك ) اليوم ( فبصرك ) وهو البصيرة وعين القلب ( اليوم ) وهو يوم القيامة ( حديد ) أي نافذ يبصر ما لم يكن يبصره في الدُّنيا .